محمد بن جعفر الكتاني

37

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

الواضح البرهان ، ذو المشاهدة الروحانية ، والعلوم اللدنية الوهبية ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) ابن علي بن مهدي بن عيسى بن أحمد الهراوي الزمراني ؛ المعروف بالطالب . كان - رحمه اللّه - أحد الفقهاء العلماء ، والصلحاء الكبراء ، وجيها وسيما ، [ 31 ] فاضلا كريما ، ذا سمة حسنة ، وأخلاق كريمة مستحسنة ، وهمة علية ، ونفس زكية ، يتكلم بالمواهب اللدنية ، ويشير إلى المعارف الإلهية ، عارفا بطريق النفوس ، مغترقا في حضرة الملك القدوس ، للّه ذاكرا ، وبقلبه وسره وسر سره معه حاضرا ، كثير الحياء ، طويل الصمت ، كثير الأدب ، تابعا للسنة ، مجانبا للبدعة . إن رأيته اغتنيت ، وإن شاهدت شمسه فنيت ، ظاهره مصون بالكتاب والسنة ، وباطنه مغترق في حضرة من لا يأخذه نوم ولا سنة . وكان ذا نفحة وصيانة ، وكرامة وخرق عادة ، بل كراماته أكثر من أن تحصى ، وأجل من أن تستقصى ، وكان - أيضا - ذا ورع وزهد ، وشفقة وحنانة ، وأمانة وكياسة ، وفراسة ومكاشفة ، وسطوة وصولة ، حسن الخلقة والخلق ، إذا نظر إليك أغناك ، وإذا سقاك من شرابه كملك ، وإذا ندهت به أغاثك . وكان طويل القامة ، واسع الوجه ، عريض ما بين المنكبين ، واسع الصدر ، أخمص البطن ، رقيق الساقين ، أكحل العينين ، أصفر الوجه . . . ومناقبه عجيبة ، وأحواله غريبة . أخذ عن الشيخ الكبير ، العارف الشهير ، المشار إليه بالقطبانية ؛ سيدي أبي محمد عبد اللّه الغزواني . وكان من كبار أصحابه وتلامذته ، وهو وارثه وخليفته بزاويته من بعده . وكان يذكر أنه : يرى اللّه تعالى ببصيرته كما يراه ببصره . فيجعل رؤية البصيرة كرؤية البصر . ويقول : « إن اللّه تعالى يتجلى لسر خصوص أوليائه بذاته وصفاته وأسمائه ؛ فيشاهدونه منزها مقدسا » ، وينقل عن أبي الحسن الشاذلي أن القطب : يكشف له عن حقيقة الذات . قال : « وهذا هو الذي نعتقده في الأكابر ، وأن رؤيتهم للحق - سبحانه - حقيقة ، وقد شاهدناه به وعايناه والحمد للّه مرارا . وذكرنا ذلك لسيدنا وإمامنا القطب الكبير ، والغوث الشهير ؛ سيدي أبي محمد عبد اللّه الغزواني ؛ فثبته لنا ، وبارك لنا فيه » . وكان يخالفه في هذا : الفقيه المحقق العارف أبو محمد سيدي عبد اللّه بن علي الهبطي ، ويقول : « إن البصيرة ليس لها إلا العلم فقط ، وتجليه سبحانه على قسمين : ظاهرا للأبصار ؛ ويسمى : حقيقة ، وهو الذي وعد اللّه به عباده المؤمنين في الآخرة . وللأسرار باطنا ؛ ويسمى : مجازا ؛ لأنه بمعنى : العلم » . وأطال في ذلك . وفي حكايات العارفين وإشارات الكاملين ما يشهد لكل منهما ، وانظر " شرح عقود الفاتحة " لسيدي حمدون ابن الحاج رحمه اللّه .